جديد الموقع
المسألة

الخلاف في الفقه الاسلامي

لقد قدر الله –سبحانه- الاختلاف على بني آدم، وجعل ذلك من لوازم خلقتهم، يقول –سبحانه–:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" [هود:118-119].

وقد اختلف السلف في تفسير هذه الآية على أقوال عدة، أولاها: ما صححه ابن جرير الطبري وابن كثير –رحمهما الله– وهو أن الله خلق الناس للاختلاف بالشقاء والسعادة، إلا من رحم الله من المؤمنين، الذين اتبعوا الرسل وما جاءوا به من الدين؛ فإنهم وإن اختلفوا فإن اختلافهم لا يعود عليهم بضر.

قال ابن جرير –رحمه الله-: "وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم، على أديان وملل وأهواء شتى، "إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ" [هود:119] فآمن بالله وصدق رسله؛ فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله".


وقال ابن كثير-رحمه الله-: "أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم".

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الخلاف واقع في هذه الأمة لا محالة؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان –رضي الله عنه- يحذره من فرق الضلال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة؛ حتى يدركك الموت وأنت على ذلك".

وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".

قال ابن رجب –رحمه الله-: "هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده، من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كان عليه وأصحابه؛ ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوك؛ فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة".

فالله –سبحانه وتعالى– قدر علينا الخلاف كما قدر علينا سائر المعاصي، وتقدير المعاصي علينا لا يبرر تعاطينا لها، ولا يسوغها بحال؛ فكذلك الخلاف لا يجوز لنا قصده، بحجة أنه مقدر علينا، وإن كان لا بد أن يقع منا.

الخلاف في اللغة:

الخلاف لغةً: مصدر خالف، كما أن الاختلاف مصدر اختلف، والخلاف هو: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافاً، وتخالف الأمران واختلفا، لم يتفقا، وكل ما لم يتساوَ فقد تخالف واختلف، قال سبحانه: "وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ" [الأنعام:141].

إذاً: الخلاف والاختلاف في اللغة: ضد الاتفاق، وهو أعم من الضد، قال الراغب الأصفهاني: "الخلاف: أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين".

فمثلاً: السواد والبياض ضدان ومختلفان، أما الحمرة والخضرة فمختلفان وليسا ضدين، والخلاف أعم من الضدية؛ لأنه يحمل معنى الضدية، ومعنى المغايرة مع عدم الضدية.

إذاً: فمعنى الخلاف والاختلاف هو المضادة والمعارضة وعدم المماثلة، وهذا المعنى هو الذي جاء في نصوص القرآن الكريم.

الخلاف في الاصطلاح:

الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع، استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال –تعالى: "فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ" [مريم:37]، وقوله تعالى:"وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ..." [هود:118].

وعليه فيكون الخلاف والاختلاف في الاصطلاح هو: "أن يذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر".

أو هو: "منازعة تجري بين المتعارضين؛ لتحقيق حق أو لإبطال باطل".

والمسائل الخلافية في الأحكام الشرعية هي: "المسائل الفقهية التي لم يتفق عليها من يعتد بخلافه من العلماء.

فيمكن القول بأن الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة، في القول، أو الرأي، أو الحالة، أو الموقف.

وقد فرق بعض العلماء بين الخلاف وبين الاختلاف في الاصطلاح، من أربعة وجوه ذكرها أبو البقاء الكفوي في كلياته، وهي أن:

1- (الاختلاف): ما اتحد فيه القصد، واختلف في الوصول إليه، و(الخلاف): يختلف فيه القصد مع الطريق الموصل إليه.

2- (الاختلاف): ما يستند إلى دليل، بينما (الخلاف): لا يستند إلى دليل.

3- (الاختلاف): من آثار الرحمة، بينما (الخلاف): من آثار البدعة.

4- (الاختلاف): لو حكم به القاضي لا يجوز فسخه من غيره، بينما (الخلاف): يجوز فسخه. وخلاصة قوله: إنه إذا جرى الخلاف فيما يسوغ سمي اختلافاً، وإن جرى فيما لا يسوغ سمي خلافاً.

والتفرقة بين الخلاف والاختلاف بهذا الاصطلاح الذي ذكره أبو البقاء الكفوي وغيره، لا تستند إلى دليل لغوي، ولا إلى اصطلاح فقهي.

فالخلاف والاختلاف في اللغة ضد الاتفاق، فهما بمعنى واحد، ومادتهما واحدة.

حكم الخلاف

يأتي حكم الله على جهتين، ومن خلال التفرقة بين حكم الله الشرعي وبين حكمه القدري، -أي: بين إرادة الله للخلاف في تقديره وتكوينه، وبين إرادته له في دينه وشرعه- يتجلى لنا الحكم الشرعي في الخلاف، ونخلص إلى ما يلي:

1- أن الخلاف أمر قدري حتمي، أراده الله فلا بد من وقوعه.

2- أن الخلاف شر وعذاب، نهى الله عنه وذمه في شرعه، فلا بد من اجتنابه.

3- أن الخلاف وقع بين الصحابة وأئمة الهدى عرضاً لا قصداً.

الخلاف نهى الله عنه شرعاً:

الخلاف في دين الله وشريعته مذموم، ومن له أدنى معرفة بنصوص الكتاب والسنة يجد تواردها على ذم الفرقة والاختلاف، والدعوة إلى الجماعة والائتلاف، وقد تناول السلف والعلماء هذه النصوص بالبيان والتوضيح، داعين الأمة إلى الجماعة ومحذرينها من الفرقة، وآثارهم وأقوالهم في ذلك تُعجز الباحث عن حصرها، مما يؤكد أن نبذ الفرقة والاختلاف فريضة شرعية، بل من أهم فرائض الدين، ودلالات العقل، وتسند ذلك، وتؤكده الضرورة الواقعية لذلك.

فضلاً عن كون قصد الاختلاف مخالفة للشرع، ومعصية للرب سبحانه؛ فإن من حكَّم العقل، ونظر في مواقع الناس، يجد أن الخلاف غالباً ما يؤول إلى الفرقة والتنازع، والتباغض والتدابر، والبغي والاعتداء، وغيرها من شرور الخلاف التي لا تنقضي، ولا تخفى على ذي لب؛ ولذا كثرت الآثار عن السلف الصالح من التحذير منه، وبيان آثاره.

27/09/2011

تاريخ الإضافة

الإضافة

15226

عدد الزوار

الزوار
 

ارسال لصديق

email, message icon
  طباعة 

حفظ المادة

تحميل
 

مشاركة

facebook icon
التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق


/1000
روابط ذات صلة
المسألة السابق
المسائل المتشابهة المسألة التالي
القرأن الكريم

يمكنكم متابعتنا على :

للتواصل معنا :

المراسلة
تطبيقاتنا

نبذه عنا :

رياض العلم ؛ مشروع تقني يتطلع للمساهمة في خدمة المتصفح المسلم وطلبة العلم الشرعي عبر التقنية ويسعى لذلك بمواكبة التقدم التكنلوجي وتسخيره لخدمة الإسلام والمسلمين.

انت الزائر رقم : 3251349 يتصفح الموقع حاليا : 101

جميع الحقوق محفوظة لموقع رياض العلم 2016