جديد الموقع
المسألة

الاجتهاد والتقليد


الاجتهاد :

الاجتهاد في اللغة : تحمل الجهد ، وهو : المشقة .

وفي الاصطلاح: أنه استفراغ الوسع من الفقيه ، في تحصيل الظن بحكم شرعي .

وعندي أن الأولى في تعريفه : أنه صرف العالم بالمدارك وأحكامها نظره في ترجيح الاحكام الشرعية الفرعية.

فدخل القطعيات النظرية. ولم يستعمل فيه ( الفقيه ) مع خفاء معناه هنا . المدارك : قد علم كميتها وحقيقتها سابقا.

والمراد ب‍ ( أحكامها ) : أحوال التعادل والترجيح وسيجيء إن شاء الله تعالى.

وسيجيء تحقيق ما يحصل بسببه العلم بالمدارك.


ثانياً : فيما يحتاج إليه المجتهد من العلوم :

فيما يحتاج إلية المجتهد من علوم وهو تسعة ، ثلاثة من العلوم الأدبية ، وثلاثة من المعقولات ، وثلاثة من المنقولات.

فالاول من الاول : علم اللغة.

والاحتياج إليه : ظاهر ، إذ الكتاب والسنة عربيان ، ومعاني مفردات اللغة إنما تبين في علم اللغة.

والثاني : علم الصرف.

والاحتياج إليه : لان تغير المعاني بتصريف المصدر ـ المبين معناه في علم اللغة ـ إلى الماضي والمضارع والامر والنهي ونحوها ، إنما يعلم في الصرف.

والثالث : علم النحو.

والاحتياج إليه : أظهر ، لان معاني المركبات من الكلام إنما يعلم به.

والاول من الثاني : علم الاصول.

والاحتياج إليه : لان المطالب الاصولية مما يتوقف عليه استنباط الاحكام ، مثلا : كثير من المسائل يتوقف على ثبوت الحقيقة الشرعية ونفيها ، وتحقيقها إنما هو في الاصول .

والثاني : علم الكلام.

ووجه الاحتياج إليه : أن العلم بالأحكام يتوقف على أن الله تعالى لا يخاطب بما لا يفهم معناه ، ولا بما يريد خلاف ظاهره ، من غير بيان ، وهذا إنما يتم إن لو عرف أنه تعالى حكيم مستغن عن القبيح ، وكذا يتوقف على العلم بصدوق الرسول والأئمة عليهم‌السلام.

والثالث : علم المنطق.

والاحتياج إليه : إنما هو لتصحيح المسائل الخلافية وغيرها ، من العلوم المذكورة ، إذ لا يكفي التقليد سيما في الخلافيات ، مع إمكان الترجيح ، وكذا لرد الفروع الغريبة إلى اصولها ، لانه محتاج إلى إقامة الدليل ، وتصحيح الدليل لا يتم بدون المنطق إلا للنفوس القدسية.

والاول من الثالث : العلم بتفسير الآيات المتعلقة بالاحكام ، وبمواقعها من القرآن ، أو من الكتب الاستدلالية ، بحيث يتمكن من الرجوع إليها عند الحاجة. والمشهور : أن الآيات المتعلقة بالأحكام نحو من خمسمائة‌ آية ، ولم أطلع على خلاف في ذلك.

والثاني من القسم الثالث : العلم بالاحاديث المتعلقة بالاحكام ، بأن يكون عنده من الاصول المصححة ما يجمعها ، ويعرف موقع كل باب ، بحيث يتمكن من الرجوع إليها. ويتصور في حق المتجزي الغناء عنها ، ببعض الكتب الاستدلالية ، كما لا يخفى.

والثالث من الثالث : العلم بأحوال الرواة في الجرح والتعديل ، ولو بالمراجعة إلى كتب الرجال.

ووجه الاحتياج إليه : أن الاجتهاد بدون التمسك بالاحاديث غير متصور ، وليس كل حديث مما يجوز العمل به ، إذ كثير من الرواة نقلوا في حقهم أنهم من الكذابين المشهورين ، فلا شك في وجود رواية الكذب ، وربما لا يمكن التمييز بغير الاطلاع على حال الراوي.

واعلم : أن ههنا أشياء اخر ، سوى العلوم المذكورة ، لها مدخلية في الاجتهاد ، إما بالشرطية ، أو المكملية :


الاول : علم المعاني:

ولم يذكره الاكثر في العلوم الاجتهادية ، وجعله بعضهم من المكملات ، وعده بعض العامة من الشرائط ، وهو المنقول عن السيد الاجل المرتضى في الذريعة ، وعن الشهيد الثاني في كتاب آداب العالم والمتعلم .

الثاني : علم البيان:

ولم يفرق أحد بينه وبين علم المعاني في الشرطية والمكملية إلا ابن جمهور ، فإنه عد علم المعاني من المكملات ، وسكت عن البيان وعلل ب‍ : أن أحوال الاسناد الخبري ، إنما يعلم فيه ، وهو من المكملات للعلوم العربية.

الثالث : علم البديع :

البديع : علم يعرف به وجوه محسنات الكلام. وليس شيء من مباحثه مما يتوقف عليه الفقه.

نعم ، لو ثبت تقدم الفصيح على غيره ، والافصح على الفصيح ، في باب التراجيح ـ أمكن القول بالاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة لغير المتجزي ، وله ـ في بعض الاحيان ـ

الرابع : بعض مباحث علم الحساب ، كالاربعة المتناسبة ، والخطأين والجبر والمقابلة ، وهو أيضا مكمل وليس شرطا ، أما في المتجزي : فظاهر ، وأما في غيره : فلانه ليس على الفقيه إلا الحكم باتصال الشرطيات ، وأما تحقيق أطراف الشرطية فليس في ذمته .

الخامس : بعض مسائل علم الهيأة ، مثل ما يتعلق ، بكروية الارض ، للعلم بتقارب مطالع بعض البلاد مع بعض أو تباعدهما ، وكذا لبعض مسائل الصوم ، مثل : تجويز كون الشهر ثمانية وعشرين يوما بالنسبة إلى بعض الاشخاص.

السادس : بعض مسائل الهندسة ، كما لو باع بشكل العروس مثلا .

السابع : بعض مسائل الطب ، كما لو احتاج إلى تحقيق ( القرن ) ونحوه.

وليست هذه العلوم محتاجا إليها ، لما عرفت ، وإلا لزم الاحتياج إلى بعض الصنائع ، كالعلم بالغبن ، والعيوب ، ونحو ذلك.

الثامن : فروع الفقه. ولم يذكره الاكثر في الشرائط. والحق : أنه لا يكاد يحصل العلم بحل الأحاديث ومحاملها بدون ممارسة فروع الفقه.

التاسع : العلم بموقع الاجماع والخلاف ، لئلا يخالف الاجماع. وهذا شرط لا يستغني غير المتجزي عنه ، وهذا العلم إنما يحصل في هذا الزمان بمطالعة الكتب الاستدلالية الفقهية ، ككتب الشيخ ، والعلامة ، ونحوها.

العاشر : أن تكون له ملكة قوية ، وطبيعة مستقيمة ، يتمكن بها من رد الجزئيات إلى قواعدها الكلية ، واقتناص الفروع من الاصول ، وليس هذا الشرط مذكورا في كلام جماعة من الاصوليين.



ثالثاً : في التقليد :

وهو : قبول قول من يجوز عليه الخطأ من غير حجة ولا دليل.

يعتبر في المفتي الذي يستفتى منه ـ بعد الشرائط المذكورة ، على النحو المذكور ـ أن يكون مؤمنا ، ثقة.

ويكون حصول هذه الشرائط فيه معلوما للمقلد بالمخالطة المطلقة ـ إن أمكن الاطلاع في حقه ـ أو بالاخبار المتواترة ، أو بالقرائن الكثيرة المفيدة للعلم ، أو بشهادة العدلين العارفين ـ على قول. ولا يشترط المشافهة ، بل يجوز العمل بالرواية عنه.

احتج المحقق الشيخ علي ، في حواشي كتاب الجهاد من الشرائع ، على المنع بوجوه :


الاول : أن المجتهد إذا مات سقط اعتبار قوله ، ولهذا ينعقد الاجماع على خلافه.

وضعف هذا الوجه ظاهر ، لانه ـ بعد عدم صحته على اصولنا ـ ينتقض بمعروف النسب ، مع أنهم اعتبروا شهادة الميت في الجرح والتعديل ، وهو يستلزم الاعتداد بقوله في عدد الكبائر ، فتأمل.

الثاني : أنه لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته ، لامتنع في زماننا ، للاجماع على وجوب تقليد الاعلم و لاورع من المجتهدين ، والوقوف على الاعلم والاورع بالنسبة إلى الاعصار السابقة في هذا العصر غير ممكن.

وفيه ـ بعد تسليم هذا الاجماع ـ : أنه يمكن الاطلاع على الاورع والاعلم ، بالآثار والاخبار و التصانيف ونحو ذلك ، وهذا في غاية الظهور.

الثالث : أن المجتهد إذا تغير اجتهاده ، وجب العمل باجتهاده الاخير ، ولا يتميز في الميت فتواه الأولى والاخيرة.

وفيه : أنه يمكن العلم بتقديم الفتوى وتأخيرها في الميت من كتبه ، وأنه لا يتم إلا في ميت تغيرت فتواه في مسألة واحدة ، واحتمال التغير ينتقض بالحي.

الرابع : أن دلائل الفقه لما كانت ظنية ، لم تكن حجيتها إلا باعتبار الظن الحاصل معها ، وهذا الظن يمتنع بقاؤه بعد الموت ، فيبقى الحكم خاليا عن السند ، فيخرج عن كونه معتبرا شرعا.

وأورد هذا الوجه الفاضل المدقق مير محمد باقر الداماد ، في كتابه شارع النجاة ، بتغيير ما ، وزاد : أنه بعد موته يمكن ظهور خطأ ظنه ، فلا يمكن القول بأصالة لزوم اتباع ظنه كما في حال الحياة ، إذ بقاء الموضوع معتبر في الاستصحاب.


25/10/2011

تاريخ الإضافة

الإضافة

14919

عدد الزوار

الزوار
 

ارسال لصديق

email, message icon
  طباعة 

حفظ المادة

تحميل
 

مشاركة

facebook icon
التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق


/1000
روابط ذات صلة
المسألة السابق
المسائل المتشابهة المسألة التالي
القرأن الكريم

يمكنكم متابعتنا على :

للتواصل معنا :

المراسلة
تطبيقاتنا

نبذه عنا :

رياض العلم ؛ مشروع تقني يتطلع للمساهمة في خدمة المتصفح المسلم وطلبة العلم الشرعي عبر التقنية ويسعى لذلك بمواكبة التقدم التكنلوجي وتسخيره لخدمة الإسلام والمسلمين.

انت الزائر رقم : 3251326 يتصفح الموقع حاليا : 206

جميع الحقوق محفوظة لموقع رياض العلم 2016