جديد الموقع
المسألة

نشأة علم تخريج الأصول من الفروع



نشأة علم تخريج الأصول من الفروع ، وتطوره ، وأثره في نمو أصول الفقه واكتمال أبحاثه عند أصحاب المذاهب .


المجتهدون من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الأئمة المتبوعين يفترض أن تكون اجتهاداتهم في استنباط أحكام الفروع الفقهية مبنية على أصول معلومة وقواعد ثابتة ، وهذا هو اللائق بمنزلتهم في العلم والديانة.


وقد أشار لذلك ابن السبكي ، حيث قال : « ... فإن المطلع على مذهب إمام إذا استقرأ من كلامه في فروعٍ شتى المصيرَ إلى ما ليس له مأخذ إلا القول بأصل من أصولٍ : جَزَمَ الاعتقادَ بأن ذلك الأصلَ مختارُه ، ونسبه إليه ، وهذا صنيع أصحابنا على طبقاتهم؛ يقولون مذهب الشافعي كذا . وإنما استنبطوا ذلك من قواعده من غير اطلاع على نصه » الإبهاج .


ولكن الغالب على الأئمة عدم التصريح بأصولهم التي بنوا عليها استنباطاتهم للفروع ، وأول من صرح بجملة من أصول الفقه في تأليف خاص هو الإمام الشافعي المتوفى سنة 204هـ ، وذلك في كتابه (الرسالة) وهو كتاب موجود ومطبوع ومتداول بين طلاب العلم .


ويظهر أن تأليف الشافعي في أصول الفقه لفت نظر أتباع المذاهب الأخرى إلى السعي لإظهار أصول مذاهبهم ، ولكن أصول مذاهبهم لم تكن مدونة من قبل أئمة المذاهب ، مما دعا هؤلاء الأتباع إلى استنباط أصول مذاهبهم عن طريق تخريج الأصول من الفروع المأثورة عن إمام المذهب ، وهي عملية ليست سهلة ؛ لأنها تحتاج إلى إحاطة شبه كاملة بالفروع المنقولة عن الإمام ، وجمع الفروع المتشابهة في مدركها ، وتأمل ما بينها من معنى جامع ، من أجل الوصول إلى الأصل الذي بنيت عليه هذه الفروع ، وهذه العملية تسمى الاستقراء ، والاستقراء طريق صحيح لإثبات العلوم ، وقد اعتمد عليه العلماء في إثبات كثير من حقائق العلوم .


وكان أتباع المذهب الحنفي أسبق من غيرهم في تخريج الأصول من الفروع، بل إن ذلك أصبح سمة ظاهرة على المذهب الحنفي ، وقد أشار لذلك أحد متأخري الحنفية ، وهو الإمام الدهلوي بقوله : « وعندي أن المسألةَ القائلة بأن الخاص مبين ولا يلحقه البيان ، وأن الزيادة نسخ ، وأن العام قطعي كالخاص ، وأن لا ترجيح بكثرة الرواة ، وأنه لا يجب العمل بحديث غير الفقيه إذا انسد به باب الرأي ، وأن لا عبرة بمفهوم الشرط والوصف أصلاً ، وأن موجب الأمر هو الوجوب البتة ، وأمثال ذلك : أصولٌ مخرجة على كلام الأئمة وأنه لا تصح بها رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه » الإنصاف .


ولهذا يكثر في المذهب الحنفي إيراد الفروع التي استنبطت منها الأصول ، بل وإيراد الفروع التي تخرج على هذه الأصول ، وهذا الأمر لحظه بعض العلماء ، ومن ذلك ما ذكره الغزالي بقوله : « حمل حب الفقه جماعة من فقهاء ما وراء النهر كأبي زيد رحمه الله وأتباعه على مزج مسائل كثيرة من تفاريع الفقه بالأصول فإنهم وإن أوردوها في معرض المثال وكيفية إجراء الأصل في الفروع فقد أكثروا فيه» المستصفى .


كما أكده أحد أئمة الحنفية في مقدمة تأليفه في أصول الفقه ، وهو البزدوي ، حيث قال: «وهذا الكتاب لبيان النصوص بمعانيها وتعريف الأصول بفروعها» أصول البزدوي .


ومما ينبغي بيانه أن تخريج الأصول من الفروع وإن اشتهر به الحنفية لكثرته في كتبهم إلا أنهم لم يختصوا به ، فهو موجود في المذاهب الأخرى ، حيث يلمسه القارئ في مؤلفات ابن القصار والقاضي عبدالوهاب من المالكية ، وفي مؤلفات القاضي أبي يعلى وأبي الخطاب من الحنابلة ، بل حتى في كتب الشافعية الذين كتب إمامهم مجموعة من أصول بنفسه ؛ لأن ما كتبه لم يكن شاملاً لكل مسائل الأصول ، ولهذا ذكر بعضهم أن إمام الحرمين الجويني كان يخرج بعض الأصول للشافعي من فروع مذهبه ، ومن ذلك قول الزركشي : « واعلم أن إمام الحرمين كثيراً ما يستنتج من الفقه مذهب الشافعي في أصول الفقه » سلاسل الذهب .



و بعض الأصول المخرجة لعدد من الأئمة لم تكن محل اتفاق بين اتباع المذهب ، بل كانت محل نقاش ، حيث يوجد من يحكم بخطئها لوجود فروع أخرى تخالفها ، ويوجد أحياناً من يحكم بوجوب تقييدها أو التفصيل فيها لوجود فروع تقتضي ذلك ، وهذه المناقشات في الأصول المخرجة نتج عنها وجود مادة أصولية كثيرة كان لها أثر في التأليف في أصول الفقه في فترة لاحقة .


وقد كان أتباع المذاهب أول الأمر يكتفون بإبراز أصول أئمتهم تخريجاً من فروعهم، ولما برزت ظاهرة التعصب للمذاهب ، نتج عنها السعي لنصرة المذهب ، وألفت فيها المؤلفات ، وكان من وجوه نصرة المذهب العمل على الانتصار لأصوله بالسعي للبحث عن أدلة تشهد لصحتها ، والعمل على هدم أصول المذاهب الأخرى ، وكان هذا الجدل الأصولي مفيداً في إثراء علم الأصول بالاستدلال للأصول ومناقشتها .



وهذه الجهود في إبراز الأصول أو نصرتها جاءت أول الأمر على شكل مسائل مفرقة ، ويشهد لذلك ما يقف عليه القارئ لتراجم بعض الفقهاء في القرن الثالث والرابع من رسائل خاصة في الانتصار لبعض الأئمة في مسائل أصولية معينة ، كمسألة القياس على رأي الشافعي ، أو مسألة عمل أهل المدينة على رأي مالك ، أو ما أشبه ذلك .



وخلال فترة امتدت لنحو قرنين من الزمن بعد وفاة الشافعي اجتمع عدد كبير من الأصول المخرجة على مستوى المذاهب الأربعة ، بالإضافة إلى الاستدلال لتلك الأصول ومناقشتها ، وكانت هذه الأصول المخرجة وما قيل من استدلالات ومناقشات حولها النواة الأولى للتأليف في أصول الفقه ، فوجدنا في آخر القرن الرابع وفي القرن الخامس مؤلفات قليلة في أصول الفقه على مستوى المذاهب الأربعة ، ككتاب الفصول في الأصول للجصاص في المذهب الحنفي ، والمقدمة لابن القصار والتلخيص والإفادة للقاضي عبدالوهاب في المذهب المالكي ، واللمع وشرح اللمع والتبصرة للشيخ أبي إسحاق الشيرازي والبرهان لإمام الحرمين في المذهب الشافعي ، والعدة للقاضي أبي يعلي في المذهب الحنبلي .


ومما ينبغي توضيحه في هذا المقام أن بعض العلماء المتقدمين سلكوا مسلك تخريج الأصول من الفروع لأن مقصودهم في ذلك المقام هو بيان أصول أئمتهم عن طريق تخريج أصول الأئمة من فروعهم ، وهو مقصود صحيح بلا شك ، لأنه ليس هناك وسيلة للكشف عن أصول الأئمة إلا طريقة تخريج الأصول من الفروع .


ولكن كان هناك من العلماء من له مقصود آخر، وهو النظر للأصل نظرة استقلال، بمعنى أنه ينظر للأصل من حيث هو بغض النظر عن نسبته ، ولذلك يدرسه دراسة الناقد ، فيسعى للوصول إلى ما يرى أنه هو الصواب، ونلمس ذلك لدى بعض العلماء كإمام الحرمين ، حيث قال عنه ابن السبكي : « والإمام لا يتقيد لا بالأشعري ولا بالشافعي ، لا سيما في ( البرهان ) وإنما يتكلم على حسب نظره واجتهاده» طبقات الشافعية لابن السبكي .



وأكد ذلك إمام الحرمين بقوله : « فحق الأصولي ألا يلتفت إلى مذاهب أصحاب الفروع ولا يلتزم مذهباً مخصوصاً في المسائل المظنونة الشرعية ، فهذا غاية ما أردناه في هذا الفن » البرهان .


وبقوله : « حق الأصولي ألا يعرج على مذهب ، ولا يلتزم الذب عن مسلك واحد ، ولكن يجري مسلك القطع ، غير ملتفت إلى مذاهب الفقهاء في الفروع » البرهان .



كما أكده أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي بقوله : « واعلم أنه لا يجب نصرة أصول الفقه على مذهب فقيهٍ ، بل الواجب النظر في الأدلة ، فما أداه الدليل إليه كان مذهبُه بحسبه ، وبنى على ذلك الأصل ، ونعوذ بالله من اعتقاد مذهب ، ثم طلب تصحيح أصله ، أو طلب دليله » الواضح .



ونختم هذا الموضوع بالتأكيد على أن تخريج الأصول من الفروع له أثر في نمو أصول الفقه حتى في الوقت الحاضر ، حيث كان تخريج أصول الأئمة من فروعهم مجالاً خصباً لعدد من الدراسات العلمية المعاصرة التي كتبت للحصول على الدرجات العلمية للدكتوراه والماجستير ، كأصول الإمام مالك النقلية ، وأصوله العقلية ، وأصول محمد بن الحسن ، وأصول الأوزاعي ، وأصول سعيد بن المسيب ، وغيرها كثير .



11/07/2014

تاريخ الإضافة

الإضافة

7091

عدد الزوار

الزوار
 

ارسال لصديق

email, message icon
  طباعة 

حفظ المادة

تحميل
 

مشاركة

facebook icon
التعليقات : 1 تعليق
26/05/2015

(غير مسجل)

إبراهيم محمد

جزاكم الله خيرا
[ 1 ]
إضافة تعليق


/1000
روابط ذات صلة
المسألة السابق
المسائل المتشابهة المسألة التالي
القرأن الكريم

يمكنكم متابعتنا على :

للتواصل معنا :

المراسلة
تطبيقاتنا

نبذه عنا :

رياض العلم ؛ مشروع تقني يتطلع للمساهمة في خدمة المتصفح المسلم وطلبة العلم الشرعي عبر التقنية ويسعى لذلك بمواكبة التقدم التكنلوجي وتسخيره لخدمة الإسلام والمسلمين.

انت الزائر رقم : 3278375 يتصفح الموقع حاليا : 189

جميع الحقوق محفوظة لموقع رياض العلم 2016