جديد الموقع
المسألة

فَصْـــل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام ...

السؤال: فَصْـــل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام
الإجابة:

وهؤلاء الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام اضطربوا كثيرًا،كما قد بسط في مواضع‏.

‏‏ولابد لكل منهم مع مخالفته للشرع المنزل من السماء إلى أن يخالف أيضًا صريح العقل ويكابر، فيكون ممن لا يسمع ولا يعقل‏.

‏‏ فإن القول له لوازم، فإذا كان باطلًا فقد يستلزم أمورًا باطلة ظاهرة البطلان‏.‏ وصاحبه يريد إثبات تلك اللوازم، فيظهر مخالفته للحس والعقل‏.

‏‏ كالذين أثبتوا الجواهر المنفردة وقالوا‏:‏ إن الحركات في نفسها لا تنقسم إلى سريع وبطىء، إذ كانت الحركة عندهم منقسمة كانقسام المتحرك، وكذلك الزمان وأجزاء الزمان‏.

‏‏ والحركة والمتحرك عندهم واحد لا ينقسم فإذا كان المتحركان سواء وحركة أحدهما أسرع قالوا‏:‏ إنما ذاك لتخلل السكنات‏.

‏‏ وادعوا أن الرحا والدولاب وكل مستدير إذا تحرك فإن زمان حركة المحيط والطوق الصغير واحد مع كثرة أجزاء المحيط، فيجب أن تكون حركتها أكثر، فيكون زمانها أكثر، وليس هو بأكثر،فادَّعوا أنها تنفك ثم تتصل‏.

‏‏ وهذه مكابرة من جنس ‏(‏طفرة النَّظَّام‏)‏ ‏[‏هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار بن هانئ البصرى النظام، مــن أئمة المعتــزلة قــال الجاحــظ‏:‏ الأوائل يقولون‏:‏ في كل سنة رجل لا نظير له، فإن صح ذلك فأبو إسحاق من هؤلاء الضلال وصدق فيما قال رأس الفرقة النظامية قد ألفت كتب في الرد على ضلاله وكفــره، وفي لســان الميزان‏:‏ أنه متهم بالزندقــة‏]‏‏.

‏‏ وكذلك الذين قالوا‏:‏ بأن العرض لا يبقى زمانين خالفوا الحس وما يعلمه العقلاء بضرورة عقولهم‏.

‏‏ فإن كل أحد يعلم أن لون جسده الذي كان لحظة هو هذا اللون‏.‏

وكذلك لون السماء، والجبال، والخشب، والورق، وغير ذلك‏.

‏‏ ومما ألجأهم إلى هـذا، ظنهم أنهما لو كانـا باقيين لم يمكـن إعـدامهما، فـإنهم حـاروا في إفناء الله الأشـياء إذا أراد أن يفنيها، كما حـاروا في إحداثها‏.‏

وحيرتهم في الإفـناء أظهـر‏.

‏ هـذا يقول‏:‏ يخلق فناء لا في محل، فيكون ضدًا لها، فتفنى بضدها‏.‏

وهذا يقول‏:‏ يقطع عنها الأعراض مطلقًا، أو البقاء الذي لا تبقى إلا به، فيكون فناؤها لفوات شرطها‏.‏

ومن أسباب ذلك ظنهم، أو ظن من ظن منهم، أن الحوادث لا تحتاج إلى الله إلا حال إحداثها، لا حال بقائها، وقد قالوا‏:‏ إنه قادر على إفنائها‏.‏

فتكلفوا هذه الأقوال الباطلة‏.

‏‏ وهؤلاء لا يحتجون على بقاء الرب بافتقار العالم إليه، بل بأنه قديم، وما وجب قدمه امتنع عدمه‏.

‏‏ وإلا فالباقى حال بقائه لا يحتاج إلى الرب عندهم‏.

‏‏ وهؤلاء شر من الذين سألوا موسى‏:‏ هل ينام ربك‏؟‏ فضرب الله لهم المثل بالقارورتين لما أرق موسى ليالى، ثم أمره بإمساك القارورتين فلما أمسكهما غلبه النوم فتكسرتا‏.‏

فبين الله له لو أخذته سنة أو نوم لتدكدك العالم‏.

‏‏ وعلى رأى هؤلاء‏:‏ لو أخذته سنة أو نوم لم يعدم الباقى‏.

‏‏ لكن منهم من يقول‏:‏ هو محتاج إلى إحداث الأعراض متوالية؛ لأن العرض عنده لا يبقى زمانين‏.‏

فمن هذا الوجه يقول‏:‏ إذ لو أخذته سنة أو نوم لم تحدث الأعراض التي تبقى بها الأجسام، لا لأن الأجسام في نفسها مفتقرة إليه في حال بقائها عنده‏.‏

وكذلك يقولون‏:‏ إن الإرادة لا تتعلق بالقديم، ولا بالباقى‏.

‏‏ وكذلك القدرة عندهم لا تتعلق بالباقى، ولا العجز يصح أن يكون عجزًا عن الباقى والقديم عندهم؛ لأن العجز عندهم إنما يكون عجزًا عما تصح القدرة عليه‏.

‏‏ وهؤلاء يقولون‏:‏ علة الافتقار إلى الخالق مجرد الحدوث‏.‏ وآخرون من المتفلسفة يقولون‏:‏ هو مجرد الإمكان، ويدَّعون أن القديم الأزلي الذي لم يزل ولا يزال هو مفتقر إلى الصانع‏.

‏‏ فهذا يدعى أن الباقى المحدث لا يفتقر، وهذا يدعى أن الباقى القديم يفقتر وكلا القولين فاسد، كما قد بسط في مواضع‏.‏

والحـق أن كل ما سوى الله حادث، وهو مفتقر إليه دائمًا‏.

‏‏ وهو يبقيه ويعدمه،كما ينشئه ويحدثـه، كما يحدث الحوادث من التراب وغيره ثم يفنيها ويحيلها إلى التراب وغيره‏.

‏‏ وهـؤلاء ادعى كثير منهم أن كـل مـا سوى الله يعدم ثم يعاد، وبعضهم قال‏:‏ هذا ممكن، لكنه موقوف على الخبر، والخبر لم يتعرض لذلك بنفي ولا إثبات‏.‏

وهذا هو المعاد عندهم‏.

‏‏ وهذا لم يـأت بـه كتاب ولا سنة، ولا دل عليه عقل‏.‏

بل الكتاب والسنة يبين أن الله يحيل العالم من حال إلى حـال، كما يشـق السماء، ويجعـل الجبال كالعهـن، ويكـور الشمس، إلى غير ذلك مما أخـبر الله في كتابـه لم يخـبر أن جميع الأشياء تعدم ثم تعاد‏.‏

ثم منهم من يقول‏:‏ إنها تعدم بعد ذلك لامتناع وجود حوادث لا آخر لها، كما تقوله الجهمية‏.

‏‏ وهذا مما أنكره عليهم السلف والأئمة، كما قد ذكر في غير هذا الموضع‏.

‏‏ وهؤلاء إنما قالوا هذا طردًا لقولهم بامتناع دوام جنس الحوادث، وقالوا‏:‏ ما وجب أن يكون له ابتداء وجب أن يكون له انتهاء، كما قد بسط هذا وبين فساد هذا الأصل‏.‏



___________________

المجلد السادس عشر

مجموع الفتاوي لابن تيمية

14/10/2017

تاريخ الإضافة

الإضافة

155

عدد الزوار

الزوار
 

ارسال لصديق

email, message icon
  طباعة 

حفظ المادة

تحميل
 

مشاركة

facebook icon
الوصلات الاضافية
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
التعليقات : 0 تعليق
إضافة تعليق


/1000
القرأن الكريم

يمكنكم متابعتنا على :

للتواصل معنا :

المراسلة
تطبيقاتنا

نبذه عنا :

رياض العلم ؛ مشروع تقني يتطلع للمساهمة في خدمة المتصفح المسلم وطلبة العلم الشرعي عبر التقنية ويسعى لذلك بمواكبة التقدم التكنلوجي وتسخيره لخدمة الإسلام والمسلمين.

انت الزائر رقم : 3218711 يتصفح الموقع حاليا : 106

جميع الحقوق محفوظة لموقع رياض العلم 2016